أدمغة الأطفال مصممة لتعلم لغات متعددة في نفس الوقت

أيٌ ممن حاول تعلم لغة أجنبية منا ـ نحن البالغون ـ سيخبرك مدى صعوبة الأمر. ولهذا، فعندما تتداخل الكلمات الإسبانية في الجمل الإنجليزية عند طفل في الثالثة يعيش في بيت ثنائي اللغة، فإننا نفترض أن الطفل مرتبك ويخلط بين اللغتين، من واقع خبرتنا في محاولة تعلم لغة ثانية.

ولكن هذا البحث يخبرنا بخلاف ذلك.

في الواقع، ووفقا للبحث المنشور من جامعة كامبردج، فإن أفضل وقت لتعلم لغة ثانية هو الطفولة المبكرة [ترجمة لملخض البحث]. فالأطفال الذين يتعاملون مع لغتين منذ ميلادهم، تصبح كلا اللغتين بالنسبة لهم “لغة أم”، بينما يعاني البالغون الذين يتعلمون لغات ثانية من الارتباك والخلط، ونادراً جداً ما يتحدثون اللغات الثانية بطلاقة.

ولكن يبقى السؤال: ألن يسبب تعلم لغتين في وقت واحد ارتباكا لدى الأطفال؟

متى يتعلم الأطفال اللغة؟

تظهر الأبحاث أن الأطفال يبدأون في تعلم أصوات اللغة قبل ولادتهم، ففي الأرحام، يكون صوت الأم أحد أهم وأوضح الأصوات التي يسمعها الجنين. عند الوضع، لا يكون المولود قادراً على تمييز لغة الأم من بين لغات أخرى فحسب، بل أظهر المواليد قدرة على التمييز بين اللغات المختلفة.

إن تعلم اللغات يعتمد على القدرة على معالجة الأصوات، وبينما لغات العالم مجتمعة تتكون مما يقارب الثمانمائة صوت وظيفي، فإن كل لغة تتكون من قرابة الأربعين صوتاً وظيفياً phonems، هي ما تميز كل لغة عن الأخرى.

وقت الوضع يتمتع دماغ الطفل بهبة مميزة، هي كونه قادراً على التمييز بين كل الثمانمائة صوت وظيفي، ما يعني أن الرضع يمكنهم تعلم أي لغة يتعرضون لها، وتدريجياً، يميز الرضع الأصوات التي يسمعونها أكثر وبشكل متكرر. ثم، بين عمر ست إلى اثني عشر شهراً، يصبح الرضع “أكثر تخصصاً” في أصوات لغتهم الأم، إذا نشأوا في بيئة أحادية اللغة. بمعنى آخر: تصبح هذه هي لغتهم الأم، وباكتمال عامهم الأول، يفقد الرضع في البيئة أحادية اللغة قدرتهم على سماع الفروقات بين اللغات الأجنبية.

دراسة أدمغة الرضع

ولكن ماذا عن الرضع الذين يسمعون لغتين منذ مولدهم؟ هل يمكن لدماغ الرضيع أن “يتخصص” في لغتين في آن؟ ولو كان هذا ممكناً، كيف تختلف هذه العملية عن التخصص في لغة واحدة؟

معرفة وفهم الكيفية التي يتعلم بها الرضع لغة واحدة، في مقابل تعلم لغتين، هام لفهم مراحل التطور في تعلم الكلام. فعلى سبيل المثال، يتوق آباء الأطفال ثنائيي اللغة إلى معرفة ما الذي يجب أو لا يجب أن يتوقعوه أو ينتظروه من أطفالهم، وما الفروق التي ستكون بينهم وبين أقرانهم ممن نشأووا في بيئة أحادية اللغة.

في هذا الشأن، قمت وزملائي بدراسة كيفية معالجة الدماغ لأصوات اللغة عند أطفال بعمر أحد عشر شهراً من بيئة أحادية اللغة (إنجليزية فقط)، وبيئة ثنائية اللغة (إنجليزية-إسبانية)، وقد قمنا ياستخدام تقنية غير عدائية noninvasive تدعى magnetoencephalography MEG، والتي تحدد بدقة التوقيتات والأماكن التي تحدث فيها الأنشطة الدماغية حال سماع الأطفال لمقاطع إنجليزية، وأخرى إسبانية. وقد وجدنا اختلافات محورية بين الرضع الذين نشأوا في بيئة أحادية اللغة، مقابل هؤلاء الذين نشأوا في بيئة ثنائية اللغة.

ففي عمر أحد عشر شهراً، قبل أن ينطق معظم الأطفال كلماتهم الأولى، تسجيل الأنشطة الدماغية يظهر أن:

  • الأطفال من البيئة أحادية اللغة تخصصت أدمغتهم في معالجة أصوات اللغة الإنجليزية، وليست الإسبانية، التي يراها الدماغ كلغة غير مفهومة
  • الأطفال من البيئة ثنائية اللغة تخصصت أدمغتهم في معالجة أصوات كلتا اللغتين

ما وجدناه يظهر أن أدمغة الرضع تتواءم مع اللغة أو اللغات التي يسمعون من أولياء أمورهم، يصبح الدماغ أحادي اللغة موائماً للغة واحدة، ويصبح الدماغ ثنائي اللغة موتئماً للغتين.

بعمر أحد عشر شهراً، تعكس أنشطة دماغ الطفل اللغة أو اللغات التي تعرض لها.

ولكن هل من الجيد تعلم لغتين؟

هذا السؤال من الأهمية بما كان.

آباء الأطفال أحاديي اللغة، وثنائيي اللغة على حد سواء يتلهفون لسماع أول كلمات أطفالهم، فهذه هي الأوقات التي سيعرفون فيها للمرة الأولى فيم يفكر أطفالهم، وما الذي يدور في أذهانهم. على الرغم من ذلك، فإن أحد أبرز المخاوف لدى الآباء هو ألا يتقن طفلهم الكلام بالسرعة الكافية.

وجدنا أن الأطفال ثنائيي اللغة قد أظهروا ردود فعل دماغية للغة الإنجليزية بنفس القوة كتلك في الأطفال أحاديي اللغة، وهو ما يدعم أن الأطفال ثنائيي اللغة يتعلمون الإنجليزية بنفس المعدل الذي لدى الأطفال أحاديي اللغة.

يقلق أيضاً آباء الأطفال ثنائيي اللغة أن الحصيلة اللغوية لأطفالهم لن تكون كتلك عند الأطفال أحاديي اللغة، وهو قلق حقيقي لدرجة ما، فالرضع ثنائيو اللغة يقسمون وقتهم بين لغتين، وبالتالي، في المتوسط، يسمعون كلمات أقل من كلٍّ من اللغتين. على الرغم من ذلك، فإن الدراسات تظهر أن الأطفال ثنائيي اللغة لا يكونون متأخرين كثيراً عن أقرانهم أحاديي اللغة، إذا أخذنا كلتا اللغتين في الاعتبار؛ فالحصيلة اللغوية عند الأطفال ثنائيي اللغة، عند الجمع بين مفردات اللغتين معاً، تكون مساويةً أو أكثر من تلك عند الأطفال أحاديي اللغة.

أيضاً يقلق الكثيرون من أن “ثنائية اللغة” تسبب خلطاً، وهو ما يرجع بشكل جزئي للتناوب اللغوي، وهو سلوك المتحدث ثنائي اللغة عندما يجمع بين اللغتين في الحديث.

فعلى سبيل المثال، ابني ذو السنوات الأربع، والذي يتحدث الإنجليزية والإسبانية والسلوفانية، يستخدم لواحق الكلمات السلوفانية في نهايات الكلمات الإنجليزية والإسبانية. ولكن الأبحاث تظهر أن الأطفال ثنايي اللغة يتناوبون لغوياً فقط لأن البالغين ثنايي اللغة حولهم يفعلون ذلك، وأن التناوب اللغوي عند البالغين الذين يتحدثون أكثر من لغة، وعند الأطفال ثنايي اللغة محكوم بقواعد وليس عشوائياً.

وعلى خلاف الأطفال أحاديي اللغة، فثنائيو اللغة لديهم لغة أخرى يمكنهم أن يستعيروا منها إذا لم تسعفهم أدمغتهم بإيجاد الكلمة المناسبة بالسرعة الكافية في إحدى اللغات. وحتى ذوي العامين يمكنهم مواءمة لغتهم لتتماشى مع تلك المستخدمة من قبل محاوريهم.

الأطفال ثنائيو اللغة يتقدمون

الأخبار الجيدة هي أن الأطفال حول العالم يمكنهم اكتساب لغتين. في الواقع، و في كثير من الأماكن حول العالم، فإن الأطفال ثنائيو اللغة يشكلون القاعدة، بينما أحاديو اللغة يشكلون الاستثناء.

من المفهوم الآن أن تبديل الانتباه بين اللغات له فوائد معرفية كثيرة، فقد أظهرت الأبحاث أن الاطفال و البالغين ثنائيي اللغة يظهرون أداءاً تنفيذياً أفضل في الدماغ، ما يعني قدرة أفضل على تحويل الانتباه، و التبديل بين المهام و القيام بالعمليات الحسابية بشكل أسهل.

ثنائيو اللغة يتمتعون أيضاً بمهارات أفضل في علوم اللغة المجردة، أي أنهم يملكون فهما ً أفضل لكيفية عمل اللغات، كما أن هناك أدلة على أن ثنائيي اللغة يمكنهم تعلم لغة ثالثة بشكل أسهل كثيراً من نظرائهم أحاديي اللغة. بالإضافة إلى ذلك، فإنه يعتقد أن التأثير التراكمي لتعدد اللغات يساهم في الوقاية من انحدار القدرات العقلية مع العمر، بما في ذلك مرض ألزهايمر.

بالمحصلة، إذا أردت أن تعلم طفلك أكثر من لغة واحدة، فابدأ معه في سن مبكرة، قبل حتى أن يبدأ في الكلام، وكن على ثقة أن هذا لن يربك طفلك، بل ربما يساعده على المدى البعيد في تحسين وظائفه العقلية.

هذا المقال مترجم عن Babies’ brains are wired to learn multiple languages at once، المنشور في The Conversation. جميع الحقوق محفوظة لناشر المقال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *