الاستخدامات السلمية للطاقة النووية

بما أننا نعيش عصر الثورات العلمية والتقانية، ثورة المعلومات وتفجّر المعرفة بشكل عام، والدعوة الملحة إلى التنمية عالية المعدلات، فقد تسابقت الدول المتقدمة والنامية إلى الأخذ بالأساليب التقانية الحديثة، وترتب على ذلك حدوث طفرات هائلة في الاستخدام، ولعل من أهم هذه الطفرات العلمية تلك التي حدثت في مجال استخدام الطاقة المنبعثة من انشطار ذرات العناصر الموجودة في الطبيعة، وهو الاستخدام الذي تم في المجالات الحربية في نهاية الحرب العالمية الثانية، ثم في العديد من الاستخدامات السلمية بعد ذلك.

بقلم: د. ممدوح فتحي عبدالصبور – مصر

نشر في مجلة القافلة – العدد الأول – المجلد الخامس والأربعون – المحرم ١٤١٧ – مايو/يونيو ١٩٩٦

إذا تتبعنا أسس التقدم في الدول التي حققت إنجازاتٍ علميةً أو تقانية؛ سنجد أن من أهم هذه الأسس هي برامج البحوث والتطوير التي واكبت العملَ في مجالاتِ الطاقةِ الذرية. وإذا نظرنا إلى المراكز والمعامل البحثيةِ التي أنشأتها هيئاتُ الطاقةِ الذرية في الولاياتِ المتحدةِ الأمريكية أو ألمانيا الاتحادية أو بريطانيا أو حتى في الهند، نجد أن هذه المراكز ما هي إلا قلاعٌ تضم معظم التخصصاتِ العلميةِ والهندسية. لأن مجالاتِ العلومِ والتقانة النووية تحتاجُ إلى العمل الشامل المتكامل.

لقد فجّرت الطاقةُ الذريةُ طاقاتِ التقانةِ حيث كانت تتعامل مع سائر العلوم نظراً للحاجةِ إلى التعامل مع مواد نقيةٍ لم تُعرف من قبل؛ ومع وسائل التحكم الإليكتروني ومع علومِ الحياةِ وعلوم الفيزياء: بحيثُ تكاملت كل العلوم لتعطي شهادة ميلاد لعصرٍ جديد، ونحن في عالمنا العربي نجد أننا لم نبذل من الجهد ما يكفي لكي ندعم الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، لذلك فنحن في حاجةٍ إلى مشروعات كبيرة في جميع الاتجاهات لإحداث نقلة تساعدنا على اللحاق بركب هذا العصر النووي.

ومن أجل دعم وتطوير الاستخدامات السلمية للطاقة النووية لإحداث نقلة في المستقبل إلى عصر التقانة المتقدمة ولإعطاء دفعة للاقتصاد العربي القومي يجب أن يتم ذلك من خلال السياسات الآتية:

  • تحقيق الاعتماد على الذات تدريجيا ورفع المستوى العلمي والتقاني باطراد
  • تحقيق توازنٍ بين العلوم الأساسية والتطبيقية
  • الاهتمام بالتقانات المتقدمة مثل مجال الإلكترونات والحاسبات والتقانة الحيوية والليزر .. إلخ
  • دعم التعاون العلمي بين العلماء وتطوير برامج التدريب ودعم القوى البشرية من العاملين.

أولاً: التطبيقات في مجال العلاج الطبي

يُستخدم في هذا المجال مصادر مشعة إما مغلقة أو مفتوحة على النحو التالي:

المصادر المشعة المغلقة

هناك تطبيقان رئيسان الأول يستخدم مصادر قوية مُصدِراً لأشعة جاما لعلاج الأورام العميقة، إلا أن إدخال أجيال جديدة من أجهزة العلاج الإشعاعي مثل المعجّل الخطّي قد بدأ بالفعل في تقليص استخدام أجهزة الكوبالت، نظراً لما لهذه المُعجّلات من مزايا خاصة بمعدل الجرعة الإشعاعية الكبيرة، وقوة النفاذ وعدم الحاجة للاستبدال الدوري للمصدر المشع، كما أن هناك مشكلةُ التخلصِ من مصادر الكوبالت المستهلكة، ففي مصر حالياً ١٣ جهاز كوبالت في القاهرة والإسكندرية وطنطا وأسيوط، ويقابل ذلك خمسة أجهزةِ معجلٍّ خطي. ومن المنتظر أن يزيد عدد الأجهزة الأخيرة في مصر، بعد التغلب على الصعوبات الفنية الخاصة بالتشغيل والصيانة.

والتطبيق الثاني في مجال العلاج يستخدم مصادر مشعة ضعيفة نسبياً على شكل إبرٍ أو أسلاك أو أنابيب أو حبيبات منخفضة الثمن نسبياً. ولها تطبيقاتٌ مهمةٌ خاصةً في أورام الرأس والرقبة وغيرها.

المصادر المشعة المفتوحة

بدأ استخدام هذا النوع من العلاج في التضاؤ ل ويقتصر حالياً على استخدام اليود المشع في معالجة بعض أمراض الغدة الدرقية. ومن الممكن إعادة تنشيط اليود المشع بتعريضه للإشعاع النيتروني في المفاعل.

ثانياً: التطبيقات في مجال التشخيص الطبي

هناك استخدامان للأشعةِ في مجالِ الفحوصِ الطبية هما:

* التصوير الطبي حيث تستخدم الأشعة السينية المؤينة منذ أوائل هذا القرن. ففي مصر تستخدم الأشعة السينية منذ العشرينيات في مجال التصوير الطبي، ويقدر عدد وحدات الأشعة السينية بها أكثر من ١٧٠٠ وحدة في الوقت الحالي كما يتم أيضاً استخدامُ آلاتِ تصويرِ جاما التي كانت حتى وقتٍ قريبٍ من التقانات المتقدمة في تشخيص أمراض الغدة الدرقية والمخ والكبد والكليتين والرئتين .. إلا أن أعداداً كبيرة من هذه الاستخدامات بدأت تضعفُ قيمتُها نظراً لوجودِ وسائلَ أكثر دقةٍ وأسهلَ تناولاً مثلُ الموجات الصوتية والأشعة المقطعية. ويكاد يقتصر مجال التصوير بالأشعة النووية حالياً على مسح العظامِ والغدة الدرقية.

* الفحوصُ المعملية باستخدام المركبات الرقمية: وتمثل المجال الرئيس في الوقت الحالي، وتمتد استخداماته لتشمل مجالاً واسعاً يغطي معظم أجهزة الجسم ووظائف الأعضاء، وتزداد هذه الفحوص والاختبارات عمقاً وتنوعاً يوماً بعد يوم. ويشير الاتجاه الحالي والمستقبلي للبلدان المتقدمة طبقاً لنشرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية في ڤيينا إلى أن إنتاج النظائر المشعة الطبية سوف يتزايد بالطريقة التقليدية وباستخدام المفاعلات النووية وبوساطة السيكلوترون لإنتاج نظائر مشعة ذات عمر قصير وأهمها الثاليوم – ٢٠١، ‏اليود – ١٣١‏، الأنديوم – ١١١‏، الكريبتون – ٨١، ‏الاسترنشيوم – ٨٧، الجاليوم – ٦٧،‏ الحديد -١٨. وقد ساهمت المستحضرات الصيدلية المشعة. ذات الأعمار القصيرة مع تطور تقانات الحاسوب واستخدامها في مجال الطب النووي على نطاق واسع، في تطوير طرق جديدة للاختبارات والكشف الإشعاعي خاصةً في مجال أمراض التشوهات الخِلقية وفي أمراض القلب والسرطان والقصور الوظيفي عند الأطفال حديثي الولادة.

ومن هنا يجب تشجيع هذه التطبيقات لفائدتها الطبية المحققة، كما يجب تركيز استخدامها في وحدات متخصصة داخل المستشفيات الكبرى حيث يعمل العديد من ذوي الخبرات الخاصة والأفراد المؤهلين في الإشعاعات المؤينة طبقاً لشروط ومعايير الأمان.

ثالثاً: التطبيقات في مجال الصناعة

تستخدم تقانات الإشعاع في مجال الصناعة بهدف تحسين الكثير من صفاتِ المنتوجاتِ الصناعيةِ وإكسابها خواصَّ جديدة، مثل تحوير صفات
بعض أنواع البلاستيك والبلويمرات وإكسابه خاصية تحمل درجات الحرارة المرتفعة، وزيادة متانته ورفع قدرة تحمله لعوامل الشد الميكانيكية، ويستفاد من ذلك في تصنيع الحقن وعبوات البلاستيك والكابلات ذات القدرة العالية على تحمل الجهد الكهربائي العالي، كما أن الحصول على خرسانة مدعمة بالبلاستيك المحور بالإشعاع تمتاز بصفات أفضل من حيث المرونة وزيادة الصلابة وعدم النفاذ للماء وعدم التآكل، كما تستخدم أشعة جاما لرفع قيمة الأخشاب. ولقد أحدثت تقانات الإشعاع ثورة في صناعة البتروكيميائيات، حيث أمكن إنتاج منظفات كيميائية، وتصنيع الاضافات اللازمة لزيوت التشحيم لإكسابها خواص أفضل.

هذه باختصار بعض المجالات على مستوى الصناعة في العالم. وتمكن بعض العلماء من إنتاج عينات من الأخشاب عالية الجودة. وتمكنوا من تصنيع آلات الغزل والنسيج منها وأثبتت كفاءة عالية.

كما تم إنتاج عينات على المستوى التجريبي أيضاً من المطاط المُعامل بالإشعاع له قدرة كبيرة على تحمل الاحتكاك والعوامل الجوية يكون مناسباً لصناعة الإطارات والكابلات الكهربائية وغيرها.

كما تستخدم تقانات الإشعاع في مراحل كثيرة من مراحل عمليات تصنيع المنتوجات المعدنية بهدف التحكم في عمليات الكشف عن الجودة سواءٌ في الخام أو في المنتج النهائي، وعلى مستوى التطبيق الفعلي تقوم بعض المصانع باستخدام المواد المشعة في بعض أجهزة التحكم.

وتتم الاستعانة بأجهزة النظائر المشعة في ضبط عمليات صب الصلب ومراقبة جودة الإنتاج ومطابقة المواصفات المطلوبة (عمليات التحليل والفحص غير الإتلافي) حيث تستخدم على نطاق واسع الطرق الإشعاعية المبنية على قياس الطيف لتفلور الأشعة السينية وكذلك القياسات المبنية على التحليل بالتنشيط الإشعاعي.

رابعاً: التطبيقات في مجال النفط

تستخدم النظائر المشعة المغلقة منذ خمسة عشر عاماً في عمليات تسجيلات آبار النفط، وهذه النظائر محفوظة في أغلفة تقي من تأثيراتها الضارة على الإنسان، أو البيئة، وهذه النظائر نوعان:

نوع يستخدم في قياسات داخل الآبار لتحديد خواص الطبقات مثل الكثافة والمسامية والنوع الثاني يستخدم في تحديد كميات المكونات النفطية مثل الزيت والغاز في المياه المالحة وهذه قياسات مهمة جداً في عمليات حفر الآبار وتقييم نتائجها بدقة وسرعة لم تكن متاحة بالطرق التقليدية وهي بذلك تختصر الكثير من الوقت والجهد والمال.

كما تستخدم بعض النظائر المشعة في الكشف عن عيوب اللحامات الداخلية التي لا يمكن رؤيتها بالعين أو بأساليب أخرى، وطريقة الكشف عن اللحامات بالأشعة من أهم الطرق وأدقها خاصة اللحامات الواقع عليها ضغوط عالية مثل خطوط الغاز والمستودعات الكروية التي تخزن فيها الغازات، وذلك لضمان سلامة تلك اللحامات ومطابقتها للمواصفات العالمية.

خامساً: التطبيقات في مجال الزراعة

* في مجال تقليل الفاقد ومقاومة الآفات

يستخدم الإشعاع بجرعات قياسية لمقاومة الآقات الزراعية مثل مقاومة ذبابة الفاكهة التي يتم فيها تعقيم ذكور الحشرات بالإشعاع ثم إطلاقها، ونتيجة لهذا يصبح بيض الإناث غير مخصب، وقد امكن بهذه الطريقة القضاء تماماً على هذه الحشرة في الولايات المتحدة الأمريكية.

* في مجال حفظ الأغذية

يتم الآن حفظ الأطعمة مثل الألبان واللحوم والأسماك باستخدام الإشعاع بجرعات تعقيم مناسبة، كذلك توجد وحدات متنقلة تستخدم جرعات منخفضة لمنع تزريع البطاطس ومنع تنبيت البصل والثوم، كما توجد أيضاً وحدات لتعقيم الدقيق والحبوب لمنع أي إصابة حشرية (السوس) لمدة طويلة.

* في مجال تربية الحيوان

تستخدم النظائر المشعة في مجال تربية الحيوان فمثلاً يستخدم اليود المشع في الكشف عن صفات إدرار اللبن في الابقار، ويستخدم البوتاسيوم المشع في الكشف عن صفات إنتاج اللحم الأحمر دون الدهن.

* إنتاج طفرات وتنشيط النمو

يستخدم التشعيع (التعريض لأشعة جاما) في ابتكار سلالات من نباتات أو محاصيل تمتاز بزيادة الإنتاج أو مقاومة الأمراض، حيث تمكن العلماء من إنتاج بذور ذات صفات وراثية جديدة ببعض المعالجة الإشعاعية، وإحداث بعض التغيرات الوراثية ثم تنتخب الأصناف ذات الصفات الوراثية المرغوبة حيث يتم إكثارها، ولم يكن هذا ليتأتى بوسائل تربية النبات التقليدية إلا على مدى عشرات ومئات السنين، ولكن باستخدام التقانة النووية تُحدَثُ طفرات تؤدي إلى سلالة أحسن في وقت قياسي. وقد أشارت بعض الدراسات بأن تعريض البذور أو البادرات إلى جرعات إشعاعية منخفضة قد تساعد على تنشيط النمو. بينما تشير دراسات أخرى بأن هذا التأثير عبارة عن محصلة لعدة عوامل وظروف بيئية أخرى محيطة بالنبات.

* في دراسات التربة

باستخدام النظائر المشعة والنظائر الثابتة يمكن دراسة سلوك العناصر المغذية في التربة، وتحديد مدى انتقالها للنباتات النامية عليها، وحساب كمية العنصر الممتص من قبل النبات. وأمكن باستخدام المصادر المشعة المغلقة مثل مصادر النيوترونات (طريقة التشتت النيتروني) قياس الرطوبة في التربة بنجاح كبير، و يمكن قياس الرطوبة الأرضية على أعماق مختلفة بالحقل بالقراءة المباشرة وبالتالي قياس الرطوبة بطريقة دقيقة وسريعة مما يساهم في رفع كفاءة الري وتقرير حاجات المحاصيل المائية وجدولة الري.

سادساً: التطبيقات في مجال إنتاج الطاقة

الطاقة ضرورية للحياة اليومية ويتوقف التطور اللاحق في المستقبل بصورة حاسمة على وجودها في المدى البعيد بكميات متزايدة من مصادر موثوقة أمينة وسليمة من الناحية البيئية، وليس هناك الآن أي مصدر أو مجموعة من المصادر في الوقت الحاضر لتلبية هذه الحاجة المستقبلية.

وبعد حوالي أربعة عقود من المجهود التقاني الجبار (منذ اكتشاف الطاقة الذرية، أصبحت الطاقة النووية تستخدم على نطاق واسع، فهناك ثلاثون بلداً تنتج من المولدات النووية ما يقرب في مجموعه من ١٦٪‏ من إجمالي الطاقة الكهربائية التي تستهلك في العالم، وتستخدم محطات القوى النووية. مثلها في ذلك محطات القوى التقليدية، الطاقة الحرارية لتوليد البخار الذي يستخدم بعد ذلك في إدارة التوربينات، فمحطات القوى التقليدية تعتمد على حرق الفحم أو النفط أو الغاز الطبيعي لتوليد الطاقة الحرارية، في حين تعتمد محطات القوى النووية على انشطار الوقود النووي لتوليد هذه الطاقة.

وينتج عن تشغيل المحطات النووية نفايات مشعة صلبة وسائلة وغازية مما يحتّم أن تكون كل مراحل تشغيل وتداول ونقل وتخزين الوقود النووي أو النفايات المشعة وفق معايير وإجراءات صارمة تحددها لوائح وتنظيمات دولية تهدف إلى حماية الإنسان والبيئة من تسرب الإشعاعات الصادرة من النفايات النووية.

ومن ناحية أخرى تم إحراز تقدم كبير في مجال محاولة الاستفادة من طاقة التفاعل الاندماجي النووي، ويجري إنشاء المعدات اللازمة والتجريبية التي من المتوقع أن تحقق هذا التفاعل الاندماجي خلال المستقبل القريب.

المراجع
١. “البرنامج النووي المصري”، سلسلة تقارير مجلس الشورى، تقرير رقم ٨ (١٩٩٢م)
٢. “مستقبلنا المشترك”، عالم المعرفة، الكتاب رقم ١٤٢، ترجمة محمد كامل عارف (١٩٨٩م)
٣. “الطاقة النووية: الوضع والاتجاهات”، الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ڤيينا (١٩٨٦م)
4. J. P. Holdren, K. B. Anderson, P. M. Deibler, P. H. Gleick, I. M. Mintzer and G. P. Morris (1993)
5. Health and Safety Impact of Renewable, Geothermal, and Fusion Energy, Ref. (3), Pp 141 – 408

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *